تحليل البيانات يقتفي أثر المفقودين السوريين: خوارزميات رقمية تعيد بناء الأحداث وتكشف المصير

تحليل البيانات يقتفي أثر المفقودين السوريين: خوارزميات رقمية تعيد بناء الأحداث وتكشف المصير

تُمثل المبادرة الجديدة لإطلاق منصة رقمية لتوثيق المفقودين نقلة نوعية في كيفية تسخير التكنولوجيا لخدمة القضايا الإنسانية الأكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد الأدوات التقنية حكراً على تطوير الأعمال ودعم الابتكار التجاري فحسب بل أصبحت ركيزة أساسية في كشف الحقائق الغائبة وحل الألغاز البشرية، وفي المشهد السوري تحديداً يبرز هذا التوجه كضرورة ملحة للتعامل مع ملف شائك يتضمن آلاف الحالات التي يصعب تتبعها بالطرق التقليدية، مما يجعل من التقنيات الحديثة طوق نجاة للعائلات والباحثين الساعين للوصول إلى إجابات دقيقة وموثقة حول مصير أبنائهم في ظل تضارب المعلومات وصعوبة التحقق منها ميدانياً.

أوضحت زينة شهلا المستشارة الإعلامية في الهيئة الوطنية للمفقودين خلال ندوة أقيمت حديثاً في المتحف الوطني بدمشق أن العمل جارٍ على قدم وساق لتفعيل هذه المنظومة المتطورة؛ حيث تهدف الهيئة التي تشكلت بمرسوم رئاسي إلى تحويل آلاف الوثائق والصور والشهادات المتناثرة إلى قاعدة بيانات مركزية منظمة، وتكمن قوة أي منصة رقمية لتوثيق المفقودين في قدرتها الفائقة على معالجة البيانات الضخمة التي تفوق القدرة البشرية على الربط بينها يدوياً، خاصة مع وجود أكثر من 100 ألف وثيقة تمت أرشفتها حتى الآن وتشمل سجلات من حقب زمنية مختلفة بما فيها ضحايا كارثة الزلزال الأخير الذي ضرب البلاد في فبراير 2023، وهذا التنظيم المنهجي يعد حجر الزاوية لبناء رؤية شاملة تدعم مسارات البحث والتحقق وتوحد الجهود الفردية المتفرقة.

أهمية تحليل البيانات عبر منصة رقمية لتوثيق المفقودين

يعتمد نجاح هذا المشروع الطموح بشكل أساسي على أدوات التحليل المتقدمة التي تقوم بدمج المعلومات من مصادر متعددة؛ مثل التقارير الحقوقية والشهادات العائلية وقوائم السجون والصور المسربة لخلق ملف موحد لكل شخص، وتساعد تقنيات تحليل البيانات داخل أي منصة رقمية لتوثيق المفقودين في استخراج البيانات الوصفية الخفية (Metadata) من الصور والوثائق لتحديد التوقيت والمكان بدقة متناهية، كما تتيح الخوارزميات الذكية تحديد الأنماط الزمنية والجغرافية للاختفاء أو ما يعرف بالنقاط الساخنة، مما يوجه جهود البحث نحو مناطق محددة بدلاً من التشتت العشوائي، وهو ما يؤسس لقاعدة صلبة تدعم المساءلة القانونية مستقبلاً عبر أدلة رقمية دامغة ومترابطة لا تقبل الشك أو التأويل.

عنصر البيانات الدور في عملية التحليل والتوثيق
الصور والوثائق المسربة استخراج بيانات وصفية لتحديد التسلسل الزمني وظروف الاحتجاز
التحليل الإحصائي تحديد “النقاط الساخنة” جغرافياً وزمنياً لتوجيه البحث

المميزات التقنية في بناء منصة رقمية لتوثيق المفقودين

صُممت البنية التحتية للمنصة لتكون بمثابة مركز بيانات وطني شامل يعتمد على معايير تقنية دقيقة للغاية؛ حيث يتم تخزين التفاصيل وفق نموذج بيانات معياري يضمن توحيد طريقة العرض والبحث مهما اختلفت مصادر المعلومات الأولية، وتتضمن المنظومة التي تعتمد عليها الـ منصة رقمية لتوثيق المفقودين خوارزميات مطابقة ذكية قادرة على الربط بين الحالات حتى في ظل وجود أخطاء إملائية في الأسماء أو نقص في بعض البيانات الحيوية، وهذا المستوى من الذكاء الاصطناعي يسهل عمل الصحفيين والباحثين عبر واجهة استخدام مخصصة تتيح الوصول للمعلومات دون الحاجة لخبرة تقنية عميقة، مما يسرع من وتيرة كشف المصير ويقلل من هامش الخطأ البشري في التعامل مع هذه الملفات الحساسة التي تتطلب دقة متناهية.

  • قاعدة بيانات موحدة تضم كافة الحالات سواء من زمن النظام السابق أو بعد سقوطه
  • نموذج معياري لتخزين تفاصيل دقيقة مثل آخر ظهور والأدلة المرتبطة
  • خوارزميات ربط ذكية تتجاوز عقبات اختلاف التهجئة والبيانات الناقصة
  • واجهة استخدام ميسرة تدعم الباحثين في الوصول للحقائق دون تعقيد

التكامل الدولي والمحلي في تطوير منصة رقمية لتوثيق المفقودين

تسعى الهيئة الوطنية للمفقودين إلى مواءمة عملها مع المعايير العالمية التي تتبعها منظمات كبرى مثل اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP) وبرامج الأمم المتحدة؛ إذ أن الاعتماد على التكنولوجيا ليس مجرد إجراء محلي منعزل بل هو جزء من حراك عالمي لتوثيق الانتهاكات وحفظ الحقوق عبر الزمن، ويساهم هذا التكامل بين البيانات المحلية والخبرات الدولية في سد الثغرات المعلوماتية ومقارنة السجلات على نطاق واسع، مما يعزز من مصداقية النتائج ويجعل من استخدام أي منصة رقمية لتوثيق المفقودين أداة فعالة لتحقيق العدالة وكشف الحقائق بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الانحياز، مؤكدة بذلك أن الابتكار التقني هو الوسيلة الأنجع لخدمة القضايا الإنسانية المصيرية وحفظ كرامة الضحايا وذويهم.

يرى المراقبون للشان السوري أن هذه النقلة التكنولوجية تشكل بارقة أمل حقيقية لآلاف العائلات التي طال انتظارها لأي خبر يقين ينهي سنوات من المجهول؛ فالتكنولوجيا هنا تتجاوز كونها مجرد وسيلة للأرشفة التقليدية لتصبح أداة فعالة لفهم الأنماط المعقدة وكشف الحقائق الغائبة، ومع استمرار تطوير هذه الأدوات والمنهجيات يصبح الطريق نحو معرفة المصير أكثر وضوحاً وسرعة، مما يمهد الأرضية اللازمة لغلق أحد أكثر الملفات إيلاماً عبر تاريخ المنطقة الحديث، ويعيد الحقوق لأصحابها عبر منظومة رقمية متكاملة وشفافة تضع الحقيقة فوق كل اعتبار.