يعتبر قياس التوتر المزمن وتحديد آثاره البيولوجية على الجسم من التحديات الطبية المعقدة، إلا أن فريقًا من الباحثين نجح مؤخرًا في تطوير أداة ذكاء اصطناعي مبتكرة تمتلك القدرة على رصد هذا الأثر من خلال تحليل دقيق لحجم الغدة الكظرية في صور الأشعة المقطعية الروتينية لمنطقة الصدر، ويمثل هذا الإنجاز العلمي قفزة نوعية بكونه أول مؤشر حيوي يعتمد بالكامل على تقنيات التصوير الطبي لتقييم العبء الإجهادي المتراكم بدقة متناهية دون الحاجة لإجراءات إضافية.
تقنيات الذكاء الاصطناعي ودورها في قياس التوتر المزمن
قادت الدكتورة إيلينا غوتبي الباحثة المتخصصة في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز هذه الدراسة الطبية الموسعة، حيث ركزت جهودها على تطوير وتدريب نموذج تعلم عميق متطور للغاية صُمم خصيصًا ليتمكن من تحديد أبعاد الغدد الكظرية بدقة وفاعلية، وقد اعتمد الفريق البحثي في منهجيته العلمية على هذا النموذج الذكي لإجراء مسح شامل وقياس دقيق لأحجام الغدد الكظرية في فحوصات الأشعة المقطعية التي شملت 2842 مشاركًا كانوا جزءًا من دراسة طبية سابقة؛ مما أتاح للباحثين قاعدة بيانات ضخمة وموثوقة لاختبار فاعلية الأداة الجديدة.
سعت الدراسة إلى دمج البيانات المستخلصة من صور أشعة الصدر المقطعية مع مجموعة متنوعة من المؤشرات السريرية لضمان دقة عملية قياس التوتر المزمن وفهم ارتباطاته الفسيولوجية، حيث تم الربط بين نتائج الأشعة وبين استبيانات معتمدة لقياس مؤشرات التوتر النفسي، بالإضافة إلى رصد مستويات الكورتيزول الدقيقة ومؤشرات العبء الإجهادي الأخرى؛ وتهدف هذه المنهجية المتكاملة إلى تقييم مستوى التوتر المتراكم وعلاقته المباشرة بالتغيرات التشريحية التي تطرأ على حجم الغدة الكظرية بمرور الوقت.
يوضح الجدول التالي أبرز العناصر التي اعتمدت عليها الدراسة للوصول إلى نتائج دقيقة:
| عنصر الدراسة | الدور في التحليل |
|---|---|
| صور الأشعة المقطعية (CT Scans) | المصدر الأساسي لقياس حجم الغدة الكظرية وتحليل الأنسجة. |
| نموذج التعلم العميق (AI) | الأداة المستخدمة لحساب مؤشر حجم الغدة الكظرية (AVI) بدقة. |
| مستويات الكورتيزول | معيار فسيولوجي لمقارنة النتائج والتحقق من ارتباط الحجم بالتوتر. |
منهجية تحليل البيانات وآليات قياس التوتر المزمن
عمد الباحثون خلال مراحل الدراسة المختلفة إلى تحليل صور الأشعة المقطعية باستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد لتحديد ما يُعرف بمؤشر حجم الغدة الكظرية (AVI)، والذي يتم حسابه استنادًا إلى حجم الغدة نسبةً إلى طول جسم المريض لضمان دقة النتائج بغض النظر عن الفروقات الجسدية بين المشاركين، وتلا ذلك إجراء مقارنات إحصائية دقيقة بين هذا المؤشر وبين مستويات هرمون الكورتيزول التي تم رصدها لدى المشاركين على مدى يومين متتاليين؛ وذلك للتحقق من وجود رابط بيولوجي قوي يدعم فاعلية الأداة في قياس التوتر المزمن وكشف آثاره الخفية.
تضمنت المنهجية أيضًا مقارنة نتائج مؤشر AVI مع مؤشر العبء الإجهادي العام (Allostatic Load) الذي تم تقييمه اعتمادًا على تحليل شامل لعدة عوامل حيوية وفسيولوجية تعكس الحالة الصحية العامة للمريض، وقد شملت هذه المقارنات أيضًا تحليل نتائج استبيانات متخصصة في قياس مؤشرات الاكتئاب والتوتر النفسي؛ إضافة إلى فحص دقيق لمؤشرات صحة القلب لربط التغيرات في الغدة الكظرية بالمخاطر القلبية الوعائية المحتملة.
اعتمد تقييم مؤشر العبء الإجهادي على مجموعة من العوامل الحيوية أبرزها:
- مؤشر كتلة الجسم (BMI) وعلاقته بالصحة العامة.
- مستويات السكر في الدم كدليل على الاستجابة الأيضية.
- تعداد كريات الدم البيضاء كمؤشر على الحالة المناعية والالتهابية.
- معدل ضربات القلب وضغط الدم لتقييم صحة الجهاز الدوري.
النتائج السريرية وأهمية قياس التوتر المزمن إشعاعيًا
أظهرت التحليلات النهائية للدراسة أن مؤشر AVI يرتبط بعلاقة وثيقة ومباشرة مع ارتفاع معدلات الكورتيزول وتزايد العبء الإجهادي في الجسم، حيث سُجلت قراءات أعلى لهذا المؤشر بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يعانون من مستويات توتر مرتفعة مقارنة بأقرانهم ذوي التوتر المنخفض، كما كشفت البيانات عن ارتباط مقلق بين زيادة حجم الغدة وزيادة مؤشر كتلة البطين الأيسر في القلب؛ والأكثر خطورة أن كل زيادة بمقدار واحد سنتيمتر مكعب لكل متر مربع في مؤشر AVI تزامنت مع ارتفاع ملموس في خطر الإصابة بفشل القلب والوفاة، مما يؤكد قدرة هذه الأداة على قياس التوتر المزمن والتنبؤ بالمخاطر السريرية الجسيمة بشكل مستقل.
يكتسب هذا التطور أهمية نوعية خاصة نظرًا لأن الغدة الكظرية تمثل جزءًا رئيسيًا وحيويًا من منظومة استجابة الجسم للضغوط والتوتر، وبالتالي فإن القدرة على قياس حجمها بدقة متناهية عبر صور طبية يتم التقاطها بشكل روتيني ومتكرر في المستشفيات تفتح آفاقًا واسعة لاستخدام هذا المؤشر في تقييم المخاطر الصحية لدى ملايين المرضى سنويًا، وهذا النهج المبتكر يوفر أداة عملية وموضوعية لتقييم التأثير التراكمي للإجهاد؛ بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الاستبيانات الشخصية التي قد تكون غير دقيقة أو القياسات المعملية المعقدة والمكلفة.
من المقرر أن يتم عرض النتائج التفصيلية لهذه الدراسة رسميًا في الدورة القادمة من الاجتماع العلمي السنوي لجمعية الطب الإشعاعي في أمريكا الشمالية (RSNA)، حيث يُتوقع أن يُحدث هذا الاكتشاف تحولًا في كيفية التعامل مع قياس التوتر المزمن في الأوساط الطبية، فالاعتماد على الصور المقطعية المتاحة بالفعل للكشف المبكر عن المخاطر المرتبطة بالتوتر يمثل حلاً فعالاً من حيث التكلفة والوقت، ويجنب المرضى الحاجة إلى إجراء فحوصات إضافية أو التعرض لمزيد من الإشعاع للحصول على تشخيص دقيق لحالتهم النفسية والفسيولوجية.
يشير الخبراء إلى أن تبني هذا النهج التقني الجديد سيسهم في تحسين الرعاية الوقائية بشكل كبير، حيث يمكن للأطباء الآن استغلال ملايين الفحوصات التي تجرى سنويًا ليس فقط لتشخيص الأمراض العضوية المباشرة، بل أيضًا للكشف عن “القاتل الصامت” المتمثل في التوتر المزمن وتأثيراته المدمرة على صحة القلب والأوعية الدموية، مما يتيح التدخل الطبي المبكر لإنقاذ الأرواح وتحسين جودة حياة المرضى.
