سرطان الغدة الدرقية يُعد اليوم واحدًا من أكثر التحديات الصحية تفاقمًا على مستوى العالم؛ إذ تسجل الإحصائيات الطبية قفزات نوعية في أعداد المصابين به تفوق أي نوع آخر من الأورام الخبيثة لا سيما بين فئات الشباب والمراهقين، ويعزو الخبراء هذا التصاعد الملحوظ إلى تداخل معقد بين عوامل بيئية وتشخيصية حديثة جعلت من رصد حالات سرطان الغدة الدرقية أمرًا أكثر شيوعًا ودقة مقارنة بالعقود الماضية.
أسباب زيادة معدلات سرطان الغدة الدرقية عالميًا
تضافرت عدة عوامل لتجعل من هذا المرض ظاهرة صحية تستدعي التوقف والدراسة المتعمقة؛ إذ يقف التطور الهائل في وسائل التصوير الطبي كمتهم أول وبريء في آن واحد؛ فاستخدام تقنيات الموجات فوق الصوتية عالية الدقة مكن الأطباء من رصد نتوءات وعقيدات دقيقة للغاية داخل الغدة كان يتم تجاهلها سابقًا، وهذا أدى بدوره إلى تسجيل آلاف الحالات كإصابات مؤكدة بمرض سرطان الغدة الدرقية حتى وإن كانت تلك الأورام خاملة أو غير خطيرة، وإلى جانب التقنية تبرز السمنة كعامل خطر جسيم؛ حيث تؤكد الأبحاث وجود علاقة طردية قوية بين زيادة مؤشر كتلة الجسم واحتمالية الإصابة بنسبة تتجاوز الخمسين بالمائة خاصة لدى الأطفال، كما لا يزال شبح الإشعاع يلقي بظلاله الثقيلة؛ إذ أثبتت الوقائع التاريخية المؤسفة في تشيرنوبيل واليابان أن تعرض الأطفال لجرعات إشعاعية عالية يرفع فرص تطوير خلايا سرطان الغدة الدرقية لسنوات طويلة لاحقة، وتجتمع هذه الأسباب لتشكل المشهد الوبائي الحالي الذي نراه اليوم.
أنواع سرطان الغدة الدرقية ووظيفتها الحيوية
تلعب الغدة الدرقية دور المايسترو المنظم للعمليات الحيوية في جسم الإنسان؛ فهي تلك الغدة الصماء الصغيرة التي تتخذ شكل الفراشة وتستقر أسفل تفاحة آدم لتتحكم عبر هرموناتها في إيقاع القلب وضبط ضغط الدم وموازنة درجة الحرارة والتمثيل الغذائي، وحينما يحدث خلل جيني يؤدي لنمو الخلايا بشكل عشوائي ينشأ الورم الذي قد يكون حميدًا أو خبيثًا، ويتطلب تحديد نوع سرطان الغدة الدرقية فحصًا مجهريًا دقيقًا للخلايا؛ لأن معرفة النوع هي البوصلة التي توجه الفريق الطبي نحو العلاج الأمثل سواء كان جراحيًا أو إشعاعيًا، ويوضح الجدول أدناه التصنيفات الأربعة الرئيسية لهذا المرض لتمييز الفروقات الأساسية بينها:
| نوع السرطان | الوصف والخصائص |
|---|---|
| الحليمي (Papillary) | النوع الأكثر شيوعًا، ينمو ببطء وغالبًا ما يصيب جانبًا واحدًا فقط من الغدة |
| الجريبي (Follicular) | ثاني أكثر الأنواع انتشارًا، ويمكن أن ينتشر إلى العظام والرئتين |
| النخاعي (Medullary) | ينشأ من خلايا “سي” التي تفرز هرمون الكالسيتونين، وقد يكون وراثيًا |
| الأرومي (Anaplastic) | النوع الأندر والأخطر، ينمو بسرعة كبيرة ويصعب علاجه مقارنة بالأنواع الأخرى |
ويعتبر الفهم العميق لهذه الأنواع ضروريًا لكل مريض؛ إذ تختلف استجابة كل فئة منها للعلاجات المتاحة وتختلف معها معدلات البقاء على قيد الحياة، كما أن تحديد النوع الدقيق يساعد في تجنب العلاجات القاسية غير الضرورية التي قد ترافق تشخيص سرطان الغدة الدرقية في بعض الحالات البسيطة.
مخاطر التشخيص المفرط وأعراض سرطان الغدة الدرقية
أثار الارتفاع الكبير في اكتشاف الحالات جدلًا طبيًا واسعًا حول جدوى التدخل الجراحي الفوري لكل حالة يتم رصدها؛ فعلى الرغم من أن معظم سرطانات الغدة بطيئة النمو وقابلة للشفاء التام، إلا أن الإفراط في التشخيص يدفع أحيانًا نحو استئصال الغدة بالكامل مما يعرض المريض لمخاطر دائمة كشلل الأحبال الصوتية أو الاعتماد الأبدي على الهرمونات البديلة، ولتجنب الوصول لمراحل متأخرة يجب على الفرد أن يكون واعيًا بطبيعة جسده وملاحظة أي تغيرات قد تطرأ على منطقة الرقبة، وتشمل العلامات التحذيرية التي قد تشير إلى احتمالية وجود سرطان الغدة الدرقية مجموعة من المؤشرات الفيزيائية التي تستدعي الفحص الفوري وهي:
- ظهور كتلة أو عقدة غير مؤلمة يمكن تحسسها في منطقة الرقبة
- حدوث تورم ملحوظ في الرقبة أو تضخم في الغدد الليمفاوية المجاورة
- المعاناة من بحة مستمرة في الصوت لا تزول مع العلاجات التقليدية
- الشعور بصعوبة متزايدة أثناء البلع أو ضيق في التنفس دون سبب واضح
وينصح الأطباء بضرورة الموازنة الحكيمة بين الكشف المبكر وتجنب الهلع غير المبرر؛ لذا يُنصح بإجراء فحوصات دورية متقنة خاصة لمن لديهم تاريخ عائلي مع سرطان الغدة الدرقية أو تعرض سابق للإشعاع، مع أهمية تبني نمط حياة صحي يضمن الحفاظ على وزن مثالي، وتظل المتابعة المستمرة هي الركيزة الأساسية لضمان حياة صحية خالية من المضاعفات والتدخلات الطبية القاسية.
